القرطبي
1
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى : ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا ( 51 ) ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا ( 52 ) ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا ( 53 ) قوله تعالى : ( ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ) قيل : الضمير عائد على إبليس وذريته ، أي لم أشاورهم في خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ، بل خلقتهم على ما أردت . وقيل : ما أشهدت إبليس وذريته خلق السماوات والأرض " ولا خلق أنفسهم " أي أنفس المشركين فكيف اتخذوهم أولياء من دوني ؟ . وقيل : الكناية في قوله : " ما أشهدتهم " ترجع إلى المشركين ، وإلى الناس بالجملة ، فتضمن الآية الرد على طوائف من المنجمين وأهل الطبائع والمتحكمين من الأطباء وسواهم من كل من يتخوض ( 1 ) في هذه الأشياء . وقال ابن عطية : وسمعت أبي رضي الله عنه يقول سمعت الفقيه أبا عبد الله محمد ( 2 ) بن معاذ المهدوي بالمهدية يقول : سمعت عبد الحق الصقلي يقول هذا القول ، ويتأول هذا التأويل في هذه الآية ، وأنها رادة على هذه الطوائف . وذكر هذا بعض الأصوليين . قال ابن عطية وأقول : إن الغرض المقصود أولا بالآية هم إبليس وذريته ، وبهذا الوجه يتجه الرد على الطوائف المذكورة ، وعلى الكهان والعرب والمعظمين للجن ، حين يقولون : أعوذ بعزيز هذا الوادي ، إذ الجميع من هذه الفرق متعلقون بإبليس وذريته وهم أضلوا الجميع ، فهم المراد الأول بالمضلين ، وتندرج هذه الطوائف في معناهم . قال الثعلبي : وقال بعض أهل العلم " ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض " رد على المنجمين أن قالوا : إن الأفلاك تحدث في الأرض وفي بعضها في بعض ، وقوله : " والأرض " رد على أصحاب الهندسة حيث قالوا :
--> ( 1 ) من ج وفي ا : ينخرط وفي ك وى والبحر : يتخرص . ( 2 ) في ك : أبا عبد الله بن عبد الله .